قُلت سأخرج هذا الصباح كي أُنهي أشغالاً شاقة وكثيرة. وخرجت ، على الرغم من الجو الغائم والماطر الحزين. لأول مرة أخرج صباحاً منذ موت والدي جبران. على تلفوني تسير تحفة بليغ حمدي " حاول تفتكرني". يُغنيّها عبد الحليم حافظ لكن كل شيء في الأغنية مشغول بعبقرية بليغ. موسيقاه تقول كلاماً. هو الوحيد في تاريخ الموسيقى العربية الذي فعل مزيكا بتتكلم. " ومنين نجيب الصبر يا اهل الله يداوينا.. وسافر من غير وداع ". تبقى فكرة الذين يموتون ونحن بُعاد عنهم فكرة مستحيلة التصديق . لابد من موت الأحبّة أمام أعيننا كي نُصدّق موتهم وبأنه حصل. وعليه يبقى موت بابا جبران مؤجلاً إلى الأبد بما أني لم أشاهده يموت أمام عينيّ ووجدت خبر رحيله نائماً في رسالة على تلفوني. القاتل في الأمر أيضاً أن تجد خبر وفاة أقرب الناس إلى قلبك مرسلاً عبر برقية "واتس آب". بهذه البساطة صار الموت سهلاً.
ما علينا.
خرجت صباحاً في المشوار الأول. إلى الجامعة اليسوعية كي أفعل قراراً له أمر تغيير حياتي، على افتراض امتلاكي لحياة قادمة. على افتراض امتلاكي لحياة من الأساس. لكن في الطريق توقفت وقلت سأذهب إلى السفارة المصرية علّهم بعثوا بتأشيرة دخولي إلى القاهرة. لكن توقفت أيضاً. لازم قبل هذا أن أروح إلى الجهة الأمنية حتى أقوم بتمديد فترة إقامتي في بيروت. لكن تراجعت مجدداً. كان الوقت قد تأخر ولن أحصل عليها في اليوم نفسه. قلت سأذهب إلى الجريدة حتى أجدّد بطاقتي الصحافية التي انتهت قبل 3 أشهر. تذكّرت بأني لا أملك صورة للبطاقة. سأتصل إذاً بالناس في الجريدة كي أطمئن لوجود الفتاة الحلوة ، كبيرة القسم الثقافي التي عليها كل أموري في الجريدة. لكن رقمي الهاتفي خربان ولابد من رقم جديد. وكنت بحاجة لنصف ساعة كي أحصل على الرقم الهاتفي بعد أن أخذوا لي صورة وخطوات شديدة الدقة. لقد تغيّر الوضع ولم يعد من السهل الحصول على رقم هاتفي. وأخذته.
قبل أن أفعل اتصالاً اكتشفت بأن بطارية هاتفي قد نفدت. فكان قرار العودة إلى البيت.
لكن وأنا أعبر المسافة الفاصلة بين جانبي الشارع المؤدي إلى حيث أسكن سمعت شجاراً بين فتاة حلوة ، ( كل الفتيات حلوات )، وشاب أرعن يبدو أنه عاكسها بطريقة قاسية. سمعتها تقول له :" يا حيوان، يا أزعر". قالتها بنبرة تملك كل حنان العالم. تمنيت وقتها بأني الشاب المشتوم. تمنيت وقتها أن أذهب إلى الفتاة وأقول لها: " لو سمحتي اشتميني بكل قوتك، لو سمحتي قولي لي ياحيوان، لو سمحتي أنا يتيم وأحتاج لقليل من حنانك ".
يبدو ذلك الشتم حين يخرج من فم فتاة لبنانية كأنه مديح،كأنه دلال، كأنه الحب كلّه . لا لهجة في الدنيا قادرة على تحويل الشتيمة إلى كلام حلو غير اللهجة اللبنانية حين تخرج من فم أُنثى.
والله على ما أقول شهيد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
تعليقات