‏إظهار الرسائل ذات التسميات حياة الكتب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حياة الكتب. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 18 يناير 2017

في غرفة العنكبوت


مع رواية جميلة أضيع. أيّ رواية جميلة. فكيف الحال لو كانت لصديق جميل اسمه محمّد عبد النبي. لذلك أشعر بأنها لي أنا وأضيع. أحسب كأس الشاي منفضة للسجائر. أرمي رمادي تارة ، وأشرب من الكأس نفسه تارة أخرى. أتذكر بالمناسبة صديقاً في باريس دخل حديقة في ظهيرة يوم وفي حضنه 12 قزازة بيرة. وبقى يشرب ويشرب. ولا حمّامات عامّة في المكان. كانت بعيدة عنه فاستبدل القزايز الفارغة بها. حين كان يقع في الحصرة. لكن مع الوقت نسى أينها قزازة البيرة من القزايز التي بال فيها. اختلط الأمر معه، وضاع. 
و"في غرفة العنكبوت" التي نجحت الدخول في قائمة جائزة البوكر الطويلة، يضيع الواحد. مع الموضوع الصادم ، المثلية في الواجهة وكعنوان فقط ومع اللغة المُقتصدة الدقيقة المُنتجة لتؤدي المراد منها لا أكثر ولا أقل. بلا كلمة واحدة زائدة. كأنها جراحة. كل هذا أدى وظيفته بدقة عالية تجعل القارئ لايشعر بالموضوع أصلاً وبأنها فكرة جارحة في بيئة اجتماعية ترفض الأمر برمته ولم تتصالح معه بعد. تحتاج مسافات ضوئية من أجل ذلك. لكن في الحقيقة يمكن القول بأنها ليست رواية عن المثلية. بأنها عن عالم مختلف مسكوت عنه فقط، عن حالات نهدر فيها كثيراً ونحن لانعرف شيئاً عنها. الحديث بدون معرفة مهنة ليست جديدة ويشتغلها كثيرون. 
هي رواية تستحق القراءة، باختصار. القراءة هنا بوصفها علاجاً. 
 

الأربعاء، 28 ديسمبر 2016

بين الشرمطة والأدب ..


كنتُ أقوم بتقطيع الطماطم الحبيبة فقطعت إبهامي الأيسر وسالت دماء. لقد شردت ونصف عيني مرمية على مقطع رهيب من "الجميلات النائمات" لياسوناري كاوباتا التي نجحت في قرصنتها مؤخراً بترجمتها الفرنسية. كُنت في ذلك المقطع الرهيب الخاص بتلك السيّدة المتزوجة والمنتمية لفئة اجتماعية راقية ولها سمعة جيدة وعلاقات شتى.
كانت،كل مساء، قبل نومها تغمض عينيها وتبدأ،على أصابع يديها في عدّ الرجال الذين يروق لها قيامهم بتقبيلها، تعدّهم على أصابعها واحداً واحداً وحين لاتقدر على وصولها إلى العدد عشرة تشعر روحها وحيدة للغاية. إنها فقط عملية إحصاء والنساء لوحدهن،حين اقتراب موعد النوم، يدركن معنى الوحدة. إنها تعدُّ فقط وربما تعاود تأمل وجوه أولئك الرجال وشكل أجسادهم خلال العدّ كي تبتهج مشاعرها، مجرد اشتهاء لا أكثر وفي سريّة تامّة، في العتمة التامّة. لكن حصول الفكرة من أساسها منح بطل الرواية شعوراً بالقذارة على الرغم من كونها حكاية قد ماتت وماتت صاحبتها " كم مِن الرجال، قبل أن تموت، تخيّلت قبلاتهم لها!". هو نفسه كان يخجل من تذكّر النساء اللواتي قد نام معهن فعلاً. لم يكن يسمح باستعادة قصصهن ولو عن طريق الخيال.
كانت الدماء ماتزال تسيل من إبهامي وأنا أقرأ وأقوم بمواصلة تقطيع الطماطم وحين انتهيت أتت غادة السّمان في بالي. تلك المرأة، الكاتبة الوحيدة في العالم التي أزالت الفارق بين الأدب وبين الشرمطة. 

الثلاثاء، 13 ديسمبر 2016

حكايات يوسف تادرس ..


الملاحظة الأولى بخصوص رواية "حكايات يوسف تادرس" لنبيل عصمت التي فازت البارحة بجائزة نجيب محفوظ من الجامعة الاميركية: أن يلاقي القارئ حاله أمام أعداد هائلة من الاخفاقات الطباعية في رواية عدد أوراقها 259 صفحة فهذا أمر جلل ولا يمكن تجاوزه بسهولة. يقتل الرواية ولايتركها تمر أمام عيون القارئ بسهولة. إرهاق نفسي كثير وكبير. لم يعد مقبولاً على نحو مُطلق وجود ذلك الكّم الرهيب من الأخطاء الطباعية في أي عمل منشور وعلى وجه الخصوص لو كان في دار نشر محترمة استطاعت في وقت قصير،منذ تأسيسها، خلق حالة نشر غاية في الأهمية من حيث جودة الأفكار والأسماء التي تقوم بتقديمها للقارئ العربي.
وكنت قطعت على نفسي عهداً بعدم إكمال قراءة أيّ عمل مطبوع يحتوي على  أخطاء طباعية في صفحاته العشر الأولى فكيف الحال لو كانت غالبية الصفحات تضمّ في قلبها كمّية هائلة من السقطات الطباعية وصلت لحد إسم بطل الرواية نفسه بل واسم دار النشر في مكانين مختلفين من الكتاب. لكن أكملت القراءة بهدف معرفة وتلّمس الأسباب التي دفعت بلجنة تحكيم جائزة نجيب محفوظ تقديم نفسها لهذه الرواية تحديداً.
لعلّه الوجع المسيحي. قلت لنفسي مدفوعاً بانطباع أوليّ نجح في التمددّ لغاية الصفحة الأخيرة من العمل. بمعنى أن توقيت منح الجائزة مع خبر جريمة تفجير الكنيسة المصرية قد يكون مادفع اللجنة لذلك المنح. وقلّة هي الأعمال التي التفت بقوة نحو ذلك الألم المسيحي وقامت بتقديمه على نحو واضح ودون مواربة. إحساس أهل هذه الديانة بأنهم كيان مُهمل ومجروح "إعادة لسيرة الاضطهاد جيلاً بعد جيل،هذا يحزن القلب" على أمل أن ينتهي ذلك الأسى في يوم من الأيام " لكنه حتى الآن صليب يحمله جيل آخر وآخر "، ولا يبدو قرار الهجرة إلا حلاً أمام الناس حتى ينتهي كل ذلك الألم، بحسب خاتمة الرواية، ف"هذه بلاد فيها أبخرة عفنة وهو (الإبن) يريد أن يعيش في جو نظيف".
ولعلّ موضوع الرواية جاء مناسبة لاستعادة عمل مُبهر للكاتب عادل أسعد الميري " كل أحذيتي ضيّقة". كتاب مرّ عبوراً ولم يخدمه توقيت ولم تلتفت إليه جائزة.

الجمعة، 9 ديسمبر 2016

انتصاب أسود ..


أعادتني هذه الرواية الجديدة لأفعال كاتب يمني جنوبي مقيم في فرنسا كتب روايتين عن إمرأة يمنية شمالية تركته بعد أن وصل بهما الأمر إلى نقطة اللاعودة بسبب فارق السن وقد وصل هو إلى حافة الستين. هكذا تم اختراع فكرة أدب الروايات الانتقامية. هي تركتني وأنا سأكتب عنها رواية وسأفضحها أمام العالم. وأبعد من هذا، فكرة انتصار أهل الجنوب على أهل الشمال عن طريق الفرِاش. يقول بأن فتيات الشمال يقعن في هوى رجال الجنوب لأنهم يمتازون بالأناقة والذوق وحُسن تعاملهم مع النساء على عكس رجال اليمن الشمالي الأجلاف والقُساة وغير المتعلّمين. بمعنى : أنتم انتصرتم علينا في لعبة السياسة وغزوتم أرض الجنوب في 1994 ونحن انتصرنا عليكم في السرير.
وأيمن الدبوسي طوال الرواية يذهب في مدح قضيبه الاستثنائي. وينتصر عن طريق ذلك القضيب المُذهل على كل أعداء الربيع التونسي. رحلة طويلة وسرد مُسهب لتلك الانتصارات التي يحرزها البطل الصامد في كل معاركه، القضيب الذي رفع رأس الثورة في وجه كل من حاول النيل منها. وهي على كل حال بطولات تافهة تم سردها في رواية تافهة قامت بتحويل الأدب إلى مجموعة من التفاهات مجتمعة بين غلافي كتاب. 

الخميس، 19 نوفمبر 2015

حروب جنى فوّاز الحسن

توقفت الحرب الأهليّة لكنها لم تنته. فعل التقاتل لا غير، هو ما تم إسكاته في حين أنّ تداعيات ما حدث، لا تزال تواصل تأثيرها في الحاضر حتى في حياة الجيل الذي لم يكن له يد في تلك الحرب بل جاء بعدها. من هنا تمكن قراءة «طابق 99» (منشورات ضفاف/ دار الاختلاف) للروائية اللبنانية جنى فوّاز الحسن (1985)، بعيداً عن كونها سرداً مُنتمياً لـ «أدب الحرب».
هي التي تتخذ من مجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982 والتقاتل الأهلي اللبناني أرضية روائية لها زمنياً، ولكن باعتبارها اشتغالاً فلسفياً يتيح لشخوص العمل فرصة لإعادة اكتشاف ذواتهم عن طريق الحكي نفسه أو ما يشبه لعبة المرايا التي تظهر من عتبات الرواية الأولى، وتعطي للذات مجالاً لرؤية ما نجح الكبت في كتمانه.
على هذا، سنرى هيلدا المسيحية التي كُتب عليها دفع أثمان باهظة بسبب مشاركة أهلها في الحرب وعمّها الذي قتل ثلاثة فلسطينيين وانتحر. هيلدا التي راحت الى نيويورك لتعلّم الرقص، فتقع في غرام الفلسطيني مجد المقيم في الطابق 99 حيث التقى بها. هو الأعرج الذي يحمل ندبته على جسد نجح في الخروج حيّاً من المجزرة في حين قُتلت والدته وجنينها. أمّا الأب فقد تحوّل من مُعلّم في الـ «أونروا» إلى مقاتل في الحرب ومن ثمّ كان هروبه إلى أميركا ليعمل بائعاً للورد.
وبسبب صراعها بين «الهُنا» و»الهُناك»، يكون قرار هيلدا بالعودة إلى بلاد الأرز نقطة لبداية طريق الألم في قلب الفلسطيني المولود في الشتات وبقائه في ذلك الطابق محاولاً إعادة ترميم ذاته بالتذكّر وتأمل وطنه البعيد حيث «يبدو المخيّم غير موجود وبدت فلسطين كبلاد ضائعة في الزحمة». كان مجد قد سألها قبل الرحيل كيف ستحكي لأهلها عن غرامها بفلسطيني وأعرج؟ من هنا تلوح فكرة تشير إلى أنّ الخسارات عبارة عن متوالية لا تتوقف عندما تبدأ، بل تواصل سيرها مثل نهر طويل غير هادئ. على هذا، تواصل الرواية تقدّمها لتظهر بلا نهايات محدّدة في خاتمتها اعتماداً على أن «مآسي الحروب لا تنتهي بعد حدوثها، بل تخالها تبدأ من هناك».


نُشر المقال في جريدة "الأخبار" اللبنانية
 يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | @jimy36@


السبت، 9 نوفمبر 2013

أحزان «كوماري» حازم صاغية شاهداً



كأنّه احترف التحليل السياسي رغماً عنه وضلّ طريقه عن لعبة السرد التي يهواها. كتابه «أنا كوماري من سريلانكا» (دار الساقي) نموذج لما تعيشه العاملات الأجنبيات في لبنان... بلد العنصرية


في جديده «أنا كوماري من سريلانكا» (دار الساقي)، لا يبتعد الكاتب والمحلل السياسي حازم صاغيّة كثيراً عن هوايته الأثيرة: السرد. كأنّه يصرّ على الذهاب إلى حكيه كروائي وممارسة هذه المهنة بامتياز. كأنه كاتب احترف التحليل السياسي رغماً عنه وضلّ طريقه عن الرواية ولعبة السرد التي يهواها. صاحب «قضايا قاتلة» يفعل الشيء نفسه كل الوقت، أو كأنّه يفعله على الأرض. قصة الحكي... الحكي عن الناس العاديين. هناك أيضاً ما هو أكثر من ذلك. في «هذه ليست سيرة» مثلاً، يتحاشى القول إنّ الكتاب سيرته، بل يدرجه بوصفه تجربة حصلت لواحد من الناس قد يكون هو أو لا يكون... هو يسرد فقط. حتى إنّه افتتح كتابته البحثية القيّمة عن أم كلثوم في كتابه «الهوى دون أهله» بطريقة أنكر فيها أنّه يخوض في سيرة. في أغلب ما يكتبه، يخوض صاغية في السيرة، وإن كانت ناقصة.

ورغم هذا التوثيق الجاد الذي يتحاشى دخول لعبة التسميات أو التصنيفات، إلا أنّ الكاتب اللبناني يضع نفسه في خانة السارد، أو الراوي الذي لا يريد أن يفصح عن نفسه، رغم كونه راوياً كليّ العلم يعرف تماماً تفاصيل الحياة التي يروي عنها. لمسنا هذا في «مذكرات رندا الترانس»، تلك الفتاة التي اتّبعَ صاحب «نانسي ليست كارل ماركس» سيرتها وتحولاتها وهي الفتاة التي لم تعرف لنفسها ذنباً سوى أنها «تعرضت لكمّية من الاستروجين تفوق ما تعرّضت إليه من التيستوستيرون». بالتالي، إنّها الفتاة التي ضلّت طريقها نحو النوع الجنسي الذي لم يكن لها. يجيد حازم صاغيّة الخوض في المسائل الحميمية الخاصة بنحو واضح. يجيد استنطاق أصحابها أو كأنّه يهيئ المناخ اللازم لها كي تنفتح على الحكي والسرد. إنّه اهتمام واضح بالناس العاديين الذي يعيش معهم، وهذا ما يظهر مجدداً في عمله الجديد «أنا كوماري من سريلانكا» الصادر عن «دار الساقي». إنّها شخصية من لحم ودم. الشابة السريلانكية كوماري تمزّقت حياتها وروحها بجواز سفر مزوّر في أكثر من زاوية من الوطن العربي الكبير من القاهرة إلى الكويت، وصولاً إلى بيروت. في كل يوم لها هنا أو هناك، عانت ما عاناه من جبال من الألم. اقتفى صاغية رحلتها على طريق طويل من العذابات وخرج بكتابه الجديد. تركت كوماري ابنتها في موطنها لتخوض الترحال في بلاد أخرى. أخبروها فقط أنها ستحصد هناك مالاً كثيراً يعوّض ابنتها عن الحياة التي عاشتها هي، في ما يشبه البحث عن الفردوس المفقود. لكن في بيروت، ستكون لها قصة أخرى... مع الجحيم بحد ذاته. حطّت الطائرة بكوماري في بيروت. كان في انتظارها الكفيل اللبناني الذي يُفترض أن تعمل لديه في البيت مقابل 100 دولار شهرياً. قبل أن يتسلمها الكفيل، خضعت كوماري لحقنة تجرى لـ«الخادمات الجدد» عندما يزرن لبنان للمرة الأولى! لا يحدث هذا إلا مع الخادمات الأجنبيات، «وهذه تجربة كنت قد تدرّبت عليها في الكويت عند طلب الإقامة، وقد كانت أشمل وأقسى» تقول كوماري.
لكن يبدو أنّ ما لاقته في المطار لن يكون سوى أول الغيث. هناك جحيم آخر سينتظرها، حيث أمّ ذلك الكفيل/ القاضي الشهير ستذيق كوماري الأمرين. أما القاضي، فسيحاول التوفيق ــ من دون جدوى ــ بين طبع والدته القاسية وتلك المسكينة التي ستحاول الانتحار هرباً من جحيمها البيروتي.
«تلك العجوز كانت تتفنن في تعذيبي. كانت تفرض عليّ، مثلاً، ألاّ أنظف المرحاض بالعصا، بل بيديّ وبالإسفنجة فحسب، فكنت أبكي باستمرار...» تقول كوماري ساردة عذابات كثيرة أخرى لا نهاية لها. وتضيف: «في البيت عُلّقت صورة كبيرة ليسوع. كنت أقف أمامها وأبكي وأطرح على المسيح بعض أسئلتي وهواجسي. وهي كانت تسألني حين تراني أفعل ذلك: ماذا تقولين لله، وهو أيضاً نفس السؤال الذي كانت تواجهني به حين تصطحبني معها للصلاة في الكنيسة أيّام الآحاد. كنت أجيب: هنا لا أحد يسمعني، أريد أن يسمعني الله على الأقلّ».



جريدة "الأخبار"- بيروت العدد ١٩٤٤ الجمعة ١ آذار ٢٠١٣

الأحد، 3 نوفمبر 2013

نبيلة الزبير: ذاكرة الغانيات الحزينات



اثنتا عشرة سنة احتاجت إليها لإنجاز روايتها الثانية «زوج حذاء لعائشة» (دار الساقي). لا ليالي حمراء هنا ولا «سكس» يمنياً. وحده الألم الذي يعصر بحيوات فتيات اخترن أقدم مهنة في التاريخ بعدما وقعن تحت سلطة فاسدة، ورجال دين يرغبون في إثبات فحولتهم

استغرقت الكاتبة اليمنية نبيلة الزبير 12 عاماً لإنجاز روايتها الثانية بعد باكورتها «إنه جسدي» (2000). 12 عاماً احتاجت إليها الزبير كي تتمكن من اختراق العالم السفلي اليمني، باحثة في سراديب أقدم مهنة في التاريخ في صيغتها المحلية والاقتراب من الكائنات المنخرطة فيها. لا تبدو المهمة سهلة في بيئة اجتماعية أبرمت معاهدة مع الصمت موصدة بوابة البوح والكلام عن أمراضها المزمنة. لا يسمح شرف القبيلة هنا بالتطرق إلى مواضيع ينبغي أن تبقى محاطة بالكتمان، وأي محاولة اختراق لمنطقة «العار» هذه ستكون محفوفة بأخطار كثيرة. لكن الاختراق حصل، فصدرت «زوج حذاء لعائشة» (دار الساقي) التي تروي حياة مجموعة من الفتيات اليمنيات انخرطن في مهنة الدعارة.

للوهلة الأولى، يبدو موضوع الدعارة مغرياً وقادراً على جذب القرّاء الراغبين في خرق العوالم السريّة لمجتمع مجهول مثل المجتمع اليمني. لكن الأمر لن يكون بهذه المجانية. لا شيء في الرواية من هذا، ليس هناك سوى ماكينة ألم ستدور بداية من الصفحة الأولى للعمل وحتى نهاية الورقة الأخيرة منه، حكاية تفاصيل الطريق الشائك الطويل الذي تسير عليه بائعات الهوى «بأقدام حافية والذهاب إلى نقطة التوقيع على بيان استقالتهن من آدميتهن». لا «ألف ليلة وليلة» هنا، ولا ليالي حمراء أو «سكس يمني»، وحده السواد والألم اللانهائي والجروح المفتوحة وقيح وأيام حيوات فتيات وقعن تحت سلطة فاسدة ورجال دين شواذ يرغبون في إثبات فحولتهم، كما خوف عائلاتهن من الفضيحة.
بطبيعة الحال، لن يكون الفقر بريئاً من كونه أحد الأسباب الرئيسية لازدهار مهنة الدعارة في البلاد التي ارتفعت أسهمها كثيراً بعد عام 1990. بعد اجتياح نظام صدام حسين الكويت في ذلك العام، طردت السعودية الشقيقة أكثر من مليون يمني كانوا يقيمون في أراضيها بسبب وقوف نظام علي عبد الله صالح إلى جانب صدام حسين. وكان أولئك اليمنيون يساعدون بدعم الاقتصاد بما كانوا يضخونه من حوالات مالية كبيرة كانوا يرسلونها إلى البلد. تغيرت حياة الناس بعد ذلك التاريخ وارتفعت نسبة الفقر. ومن يومها، صارت اليمن سوقاً مفتوحة لأغنياء السعودية يأتون إليها من أجل إفراغ شهواتهم. الفقر كافر والحاجة قاتلة، فلا بأس حينها من أن يضحي رب العائلة بفتاة من أسرته كي يتمكن بعائدات جسدها من تدبير حياة باقي أفراد العائلة!
في الرواية، نجد نماذج من داخل ذلك العالم السفلي. رجاء التي تدخل الدعارة من بوابة الحاجة. ينكسر ظهر أبيها الذي كان يعمل في البناء فيستقر معوَّقاً في البيت، ليتكفل جسدها بتدبير حاجات العائلة. تفتح غرفتها الخاصة لاستضافة زبائن الرغبة المتوحشة. في البداية يتظاهر الأب المكسور بأنه لا يراهم يدخلون غرفة ابنته، يغمض عينيه، يفتحهما تدريجاً الواحدة تلو الأخرى. يرى بنصف عين أولاً ثم بعينين كاملتين، ثم مع الوقت وازدهار أحوال العائلة مادياً يتقدم ليستقبل «ضيوف ابنته» بنفسه، يعلن نفسه قواداً رسمياً لها.
إلى جانب رجاء، هناك زينب، البنت الفقيرة، تدخل المهنة بسبب ثقافة المجتمع الذكورية وتوحش سلطة ممثلة برجل أمن يضبطها وحيدة مع سائق سيارة، لم يكونا يفعلان شيئاً. يحرر لهما محضراً رسمياً لينتهي أمرها. البنت التي تدخل قسم الشرطة لا تعود بريئة، تنهشها أسنان الناس .يُطلب من والدها تسلّمها من هناك فيحضر لكنه يرفض تسلّمها: لم تعد ابنتي. إنها جزء فاسد في جسد العائلة ولا بد من بتره لتبدأ سيرها في طريق الآلام و... الدعارة.
لكن ليس الفقر والحاجة وحدهما يذهبان بالفتيات إلى تلك المهنة. هناك الترف أيضاً. نجد هنا البنت نشوى مثالاً، لديها أب ثري لا يضع اعتباراً لقواعد مجتمعه، يستقبل عشيقاته في غرفته الخاصة برعاية ابنته المدللة نشوى التي تتدبر أمر إعداد الجلسات. مع الوقت، تذهب إلى المهنة برجليها. الوضع منفلت والحاجة الجسدية تتصاعد. تعرف الأهل متأخرين الحال التي وصلتها الابنة، فيطلبون سجنها لفترة زمنية بطلب منهم. وراء القضبان، ستفتح عينيها على الرعب اليومي الذي يحدث للسجينات لتتغير حياتها. وهناك أيضاً تتعرف إلى «عائشة» التي يحمل عنوان العمل اسمها لكنها لا تظهر إلا عابرة في فقرات قصيرة. هي عائشة التي ولدت داخل السجن. أمها دخلته ظلماً وحملت بابنتها هناك. وماتت، لتبقى عائشة التي تتاح لها فرصة الخروج لممارسة الدعارة، لكنها ترفض لتعود إلى السجن مجدداً. تتكفل نشوى بكتابة حكايتها في محاولة لمنحها «زوج حذاء» علّه يعمل على إنقاذ حياتها من مصير أسود يتربص بها.
رغم الألم الذي حملته الرواية وهي تحكي قصص فتيات تعرّضن للأذية والإهانة والشتم والسحق والضرب، إلا أنّ نبيلة الزبير حرصت على أن تقدم نهاية وردية لهن. تنجح الفتيات في اختراع مصيرهن الخاص وإنقاذ أرواحهن من عصابات تلك المهنة، وهو ما قد يوحي بأنّ ماكينة الألم تلك قد توقفت رغم أنها ما زالت تحصد كثيرات، فاتحةً أسواقاً جديدة للدعارة في البلاد.


نُشرت في جريدة "الأخبار" - بيروت العدد ١٧٣٣ الجمعة ١٥ حزيران ٢٠١٢ 

السبت، 2 نوفمبر 2013

مروان الغفوري .. هذه ليست روايتي



نجا الكاتب اليمني في عمله الثاني «الخزرجي» (دار أزمنة ــ عمّان) من فخّ السيرة والتحدّث عن الذات كما تميل معظم الإنتاجات الشبابية اليوم

يأتي الكاتب اليمني الشاب مروان الغفوري (1980 ــــ تعزّ) الرواية من باب الشعر، عاكساً حالة من الهجرة الجماعية التي فعلها شعراء وكُتّاب قصة قصيرة في اليمن. كأنّ ما فعلوه في السابق كان تمريناً عبّد الطريق باتجاه عالم الرواية. كاتبنا كان قد ظهر في إصدارين شعريين مبكّرين هما «ليال» و«في انتظار نبوءة يثرب». في هذين العملين، لم يقدر الغفوري على مغادرة القاموس اللغوي المترسب في عقله وثقافة دينية وعقائدية صارمة ارتبط بها مبكراً.

لكنّه بدا كأنّه يرغب في التخلص من ذلك الإرث في إنتاجاته الكتابية التالية. بهذا المعنى، كانت الرواية مفتاحاً لتلك الرغبة التي يبحث عنها، فكانت باكورته «كود بلو»، (دار أكتب_القاهرة) التي قتلتها الأخطاء الطباعية التي احتوتها، فظهرت منفلتة وينقصها الكثير. ارتباك فني تعافى منه في روايته الجديدة «الخزرجي» (دار أزمنة _ عمّان).
تمنحنا القراءة الأولى لهذا العمل ملامح عن قدرة كاتبه على التخلّص من العثرات التي ترتبط عادة بالرواية اليمنية الشابّة، أي الاعتقاد بأنّ حياة الكاتب وما كان له منها قادران على فعل رواية ما. عثرة ظهرت في باكورة الغفوري «كود بلو» حيث انعكست حياة المستشفيات التي كان يعيشها أثناء دراسته للطب في القاهرة في أجواء العمل.
هكذا، تمحورت الحكاية حول مريض توقف قلبه عن النبض، فبقي يتلصّص على الأحياء الذين يحيطون بالمكان.
في «الخزرجي» التي كتبها الطبيب مروان، لن نجد شيئاً من سيرته وحياته اليوم باستثناء محطة القطار الواقعة في المدينة الأوروبية التي يقيم فيها حالياً، وهي المحطة التي ستكون قاعدة لانطلاق الحكي عن «الخزرجي» ورفيقه المجذوب عبد السلام اللذين يشكّلان محور العمل.
لكن يبدو أنّنا سنقع في المتاهات منذ الجزء الأول من الحكاية، ونحن نحاول ترتيب الأصوات الساردة: لدينا الخزرجي والمجذوب من جهة، ومن جهة أخرى الراوي ورفيقته التي تقاسمه مقاعد محطة القطار التي يذهبان إليها في مواعيد غير محدّدة مسبقاً.
إنّه أمر جديد على الرواية اليمنية التي اعتاد قراؤها أشكالاً سردية تقليدية تحرص على ترطيب عملية المرور إليها بشكل
عام.
لكن لا يبدو أنّ صاحب «الخزرجي» يتعمّد وضع عراقيل أمام جريان السرد ومرور تفاصيل القصة الكبيرة إلينا. هو يعرف كيف يحطّ ويتنقل، ويعرف أيضاً أين هي القصة الكبيرة، رغم العراقيل الكثيرة التي قد يقع عليها القارئ كمعضلة الزمن التي يجري فيها الحكي، فلا نعرف إن كان البارحة أو الغد! إذاً، علينا أن نبقى يقظين ومتنبّهين ونحن نقلب «الخزرجي» قطعة وراء أخرى، وانتقالاً تلو آخر. يحكي الراوي لرفيقة المحطة عن الخزرجي الذي كان مقيماً في تلك البلاد البعيدة التي كان هو مقيماً فيها. ثم سرعان ما تعود الرفيقة لتسلّم أداة السرد، فتسأل عن عبد السلام المجذوب الذي كان نديم الخزرجي. خطوة تظهر بعدها ملامح البنية الكاملة للعمل.
لا حدث رئيسياً ومحورياً في الرواية، بل إنها تقوم بكاملها على السرد عن طريق صوتين هما الراوي وصديقته. البنية برمتها ستبدو غائمة، والحدث العام يتمثل على نحو لا يحمل عنواناً جامعاً في الظاهر. حتى تلك الرفيقة ستبدو محاطة بهذه الحالة الغائمة. يقول الراوي «كم أتمنى لو أنني استطعت أن أروي سيرة الخزرجي. لقد تحدثنا بصورة عامة عن الرجل. لكنها عاجلتني بالقول إنّه ربما كان شاعراً أو فناناً». لكن ضبابية شخصية الخزرجي وحياته ستتكشّفان تدريجاً مع الإيغال في السرد.
ستبدو عملية إنتاج الإسقاطات والتناص والإشارات والمراجع الفذّة التي تمتلئ بها «الخزرجي» مفتاحاً لتكوين العنوان العريض: الأسئلة التي بلا إجابات محدّدة. وتبدو هذه الأسئلة شخصية لكنها تستلقي على شأن إنساني قد يلمسه كل قارئ من الجهة التي تعنيه وتخصه. كأنّ مروان الغفوري يقول: «هذه ليست روايتي وليأخذ كل واحد منكم ما يعنيه». إنّها نجاة من شِراك الذاتية التي يغرق فيها غالبية صُنّاع الرواية اليمنية اليوم ليظهروا لنا كأنهم يحكون لأنفسهم عن أنفسهم.

نًشر بجريدة "الأخبار" - بيروت العدد ٢٠٩٢ السبت ٣١ اب ٢٠١٣

الاثنين، 28 أكتوبر 2013

نادية الكوكباني: الرجل شرّاً مطلقاً

المرأة اليمنية هي كلمة السرّ لولوج رواية «عقيلات» (دار عبادي للنشر ــ صنعاء) التي تطرح قضيّة الأنثى وتحوّلاتها في مجتمع يحاصرها

تصدر نادية الكوكباني روايتها الثانية بعد ثلاث مجموعات قصصية، لتنضم بذلك إلى قائمة كُتّاب يمنيين هجروا القصة والشعر، وأقاموا في الرواية. «عقيلات» (دار عبادي للنشر ـــــ صنعاء) تأتي بعد «حب ليس إلا» (دار ميريت ـــــ القاهرة)، ويكاد يفصل بين العملين زمن قياسي، إذ لم يكد النقاش يهدأ في الأول، حتى كان الثاني في المكتبات. يعطي هذا انطباعاً أنّ مرحلة كتابة القصة للكوكباني كانت فترة تمرين طويلة ومقدمة لدخول الرواية. تبحث الروايتان في سؤال الأنثى وتحولاتها في بيئة غير متعاطفة معها. الأنثى المفرد في الأولى، والأنثى الجمع في الثانية. سرد لحكاية حب كلاسيكية في «حب ليس إلا». أنثى ـــــ صرّحت نادية مرةً أنها وضعت الكثير من قصتها الشخصية في بطلة الرواية فرح ـــــ تسير في مراحل متقلبة تكاد تطابق موضوعات أفلام الأبيض والأسود. تنجح الفتاة في التغلب على مصاعب الحياة ومعوقاتها واصلة إلى النهاية السعيدة، فيما نرى «عقيلات» وقد حملت تصاعداً في الحكاية وتطوراً على مستوى الوعي وانفتاحاً على الممنوع والمسكوت عنه في ما يخصّ العالم السري للنساء في اليمن. ونقصد هنا تحديداً أوساط الطبقة الاجتماعية الجديدة التي عرفت ثراءً سريعاً وغير مفهوم، ترتّب عليه ظهور سلوكيات قد تبدو طارئة على المجتمع اليمني المعروف بأنه محافظ في شكله العام. لكن ما نلبث أن نكتشف، في سياق الرواية، زيف هذه الصورة، لنلاقي أنفسنا أمام طبقة تجاهد لتبدو متماسكة ومحافظة، حريصة على بقاء قشرتها الخارجية لامعةً ونظيفةً، لكنها تذهب داخلياً في تحلّلها وتعفّنها. تقدّم «عقيلات» 19 حكاية على لسان الراوية روضة التي تقع في يديها مذكرات جود التي دوّنت فيها تلك الحكايات بطلب من أصحابها. وتطلب هذه الأخيرة من الأولى إعادة صياغة ما كتبته بإتقان. نجد روضة وقد راحت تحكي قصصهن راسمةً بورتريهات اجتماعية لنماذج نسائية منفصلة، لكن كل واحدة تؤدي إلى الثانية. نساء (متزوجات، مطلقات، معتقلات) يؤدين حياة في الضوء وأخرى في العتمة، فيما روضة تتلصّص عليهن من خلال الورق الموجود بين يديها وتسرده لنا. وهي حكايات يكاد الجنس يكون نقطة مشتركة بينها من خلال تموضعه كدافع لخيانات زوجية أو علاقات خارج إطار الزواج تُمارس في العتمة وبعيداً عن أعين الآخرين: زنى محارم، ومثلية جنسية، وتحرّش بأطفال داخل مساجد. لا نبذل جهداً كبيراً في اكتشافنا أنّ معظم هذه الحكايات حصلت في الواقع وتناولتها الألسن بعد نشرها في الصحف، وكان أبطالها أسماء معروفة لسياسيين ومثقفين وشخصيات عامة. ولم تبذل الكاتبة جهداً إضافياً في تمويهها. وبناءً عليه، ظهر بعضها كما لو كان كتابة لتقرير صحافي راصد لمشاكل اجتماعية، موثَّقاً بحالات حية حكايات تجتمع كلّها عند سؤال الجنس وواقعية، ما يتناقض مع مفهوم الرواية كعمل فني صرف له أدواته ومسبباته. وقد يؤدي بنا هذا إلى ملاحظة أخرى قد تفسر هذا الانتقاء الذي حمله العمل بخصوص تلك الوقائع، إذ يبدو واضحاً تعمّد إظهار الرجل شراً مطلقاً. لا وجود لنموذج ذكوري إيجابي واحد على امتداد الرواية. ولو افترضنا أنّ هذا الانتقاء كان يهدف إلى الوقوف عند العنف الذكوري المُمارس ضد المرأة، سواء من الأب أو الزوج أو الإخوة، إلا أنّ الكاتبة لم تنتصر تماماً للأنثى. بل أقحمتها في أحكام قيمية تأتي في خاتمة كل حكاية، إذ تنتقد فعل هذه وتصرّف تلك، من منظور أخلاقي بحت. إلى هذا، لم نجد تفسيراً منطقياً لتعمّد الكاتبة افتتاح كل فصل من روايتها بمقطع شعري أو سردي مقتبس، وموقّع باسم كاتبات يمنيات معروفات ومأخوذ عن أعمال منشورة لهن. أعطى هذا انطباعاً للقارئ أنّ كل حكاية تالية خاصة بهذه الأديبة، ما قد يضعهن تحت طائلة تفسيرات لا معنى لها. هذا التضمين الاعتباطي نفسه تكرر مع إضافة ملحق في نهاية الرواية ضمّ بيانات وتقارير صحافية عن حرب صعدة والحراك الجنوبي، فظهرت ثقيلة وزائدة وغير مبررة فنياً. كأنها تحاول أن تعطي بعداً سياسياً وإيديولوجياً للحكاية برمّتها. لا شك في أنّ «عقيلات» طرقت موضوعاً شائكاً في مجتمع مغلق غير متسامح، وخصوصاً في ما يتعلق بالمرأة. وبناءً عليه، كان ينبغي أن يُتعامل معه بحساسية أكبر وبحرص على عدم وقوعه في مرمى التفسيرات السهلة والمجانية.

"الأخبار" العدد ١٢٥٠ الجمعة ٢٢ تشرين الأول ٢٠١٠

حبيب سروري.. بين الوعظ والأدب


يأخذ حبيب عبد الرب سروري (1956) كثيراً من ذاكرة حياته وشريطها في رواياته. طوال هذا الشريط، نشاهد نتفاً من سيرته التي قضاها بين عدن الجنوبية اليمنية والمدن الفرنسية التي تنقّل فيها طوال حياته. غادر اليمن إلى تلك البلاد الباردة من أجل الدراسة، وحاز شهادة إجازة في التأهيل لقيادة الأبحاث الجامعية. ويبدو أنّ صاحب «دملان» لم يكن قادراً على كتابة روايته الخاصة، التي لا تتماسّ مع سيرته التي عاشها بين المدن التي عبَرها. كان عليه الانتظار طويلاً كي يكتب «تقرير الهدهد» (دار الآداب ـ 2012) ونكتشف أنّه أمسك أخيراً على مهاراته الحقيقية التي كرّسها لعمل فانتازي، تخييلي يبحث في التاريخ ويعتمد عليه في نقد هذا الزمن الحديث/ الحاضر الذي نقيم فيه. في «تقرير الهدهد»، يشتغل على فكرة تستند إلى استعادة «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري، وإعادة تشكيلها على نحو يتماشى مع الأفكار التي يرغب الروائي في بعثها عبر حوارات «مقهى الكوكبة»، وهو المكان الافتراضي الذي ترتاده أهم الأسماء الفكرية والعلمية والفلسفية، التي فعلت ما كان لها على صعيد التاريخ البشري وصعدت بعدها إلى السماء: كارل ماركس، نيتشه، أبو العلاء المعري، داروين، يجلسون طوال الوقت في المقهى نفسه، ويتناقشون في أحوال البشرية والوضع البائس، وخصوصاً في المنطقة العربية، حيث تأخُّر البحث العلمي وهيمنة الفكر الأصولي الديني واحتقار كل ما له علاقة بالمدنية.

كل هذه الحوارات تجري تحت مراقبة «الأعلى جداً»، الذي يقرّر ابتعاث أبي العلاء المعرّي إلى الكرة الأرضية، وخصوصاً المنطقة العربية بغرض تقصي الحقائق ورفع تقرير نهائي عن الوضع هناك. هكذا، يكون النزول وقصة موازية أخرى تحكي سيرة أبي المعري ذاته. سرد يبحث في التاريخ بلغة طغت عليها نكهة الشعر. لا يمكن هنا إغفال اللعبة التي يسير عليها سروري، ولعبه على قصة «تقرير الهدهد» القديم، الذي كان قد جرى بعثه إلى الملك سليمان، لكن هنا لن يكون لملكة سبأ مكان، بل لحبّ أبي العلاء المعري القديم (هند) التي ذهبت من حياته بقرار مفاجئ منها من دون أن يعلم أنه قادر على الإنجاب، وأنّ له ابنة من هند سمّتها نور. لاحقاً، يدخل نبيل سليمان على خط الرواية (العمل مهدى إلى السوري نبيل سليمان). الروائي الذي ينحدر (في الرواية) من سلاسة أبي العلاء المعرّي، يحكي عن وراثته لمخطوط محفوظ في صندوق خاص من والدته. رويداً رويداً ننتقل من متاهة إلى أخرى، ومن قصة إلى أخرى.
يجد القارئ نفسه وقد دخل في مساحات كان ممكناً التخفف منها كالاستشهادات والاقتباسات الشعرية الكثيرة. ورغم نوايا الكاتب الحسنة، إلا أنّه حشا عمله بخطب وعظية تنادي بضرورة خروج العالم العربي من قيود التخلف من قبيل: «في بلد آخر، تُجلد المرأة إذا لبست بنطلوناً» أو «يفتي فقهاءُ بلدٍ آخر بترقيعِ غشاءِ البكارة، لمن فقدتْهُ قبل الزواج، لمغالطة الزوج!... متحف كوابيس!...» (المقطع مأخوذ حرفياً من الرواية بعلامات الترقيم نفسها). عند قراءة الرواية، نتذكّر الشرط الذي يقول بضرورة الفصل بين العمل الروائي المحكوم بشروط الكتابة المتخففة من كل شيء غير جماليات العمل الأدبي، والعمل الوعظي الذي يمكن كتابته في مقال... وحبيب سروري يجيد هذا النوع المقالي إجادة تامة، لكن ليكن بعيداً عن اسم الأدب.


"الأخبار" العدد ١٨٨٨ الجمعة ٢١ كانون الأول ٢٠١٢





جنس وأكاذيب وجهاد: حفريات علي المقري

بعد العنصرية والقيود الدينية والطائفية والعرقية التي تستبدّ بالمجتمع اليمني، ها هو الروائي والشاعر المعروف يضيء على الكبت الجنسي والزيف الاجتماعي في روايته الصادرة عن دار «الساقي»

اكتفى علي المقري في باكورته الروائية «طعم أسود رائحة سوداء» (2008) بنزع قشرة أولى عن واقع جماعة يمنية تعيش على هامش الحياة بسبب سواد بشرتها. رواية صادمة وضعت قراءها أمام حقيقة الألم الذي تعيشه تلك الجماعة في بيئة اجتماعية تحتقر اللون الأسود. في روايته الثانية «اليهودي الحالي»، نزع قشرة ثانية من واقع اجتماعي محكوم بقيود العرق والطائفة والدين عبر حكاية حب مستحيلة بين مسلمة وصبي من يهود اليمن. أمّا في روايته الجديدة «حُرمَة» (الساقي)، فنجد الروائي والشاعر اليمني وقد ذهب متمادياً في نزع القشرات، فلم يعد هناك أي شيء يغطّي الواقع الذي يحاول الجميع إنكاره رغم معرفتهم بأنه حقيقي يحدث فعلاً ولو وراء ستائر وجدران.

ولهذا، نجد المقري مُصرّاً على الذهاب بعيداً في فعل عمل روائي يعيد سرد حياة سريّة/ معلومة تخص مجتمعاً يعيش تحت وطأة الكبت والحرمان وأثقال رغبات لا تعرف حدوداً وشهوات غير قادرة على لمس انطفاءاتها لتجد في الدين حلاً، ولو موقتاً.
يرتكز الكاتب على أحوال فتاة لا نعرف لها اسماً طوال الرواية. مجرد حُرمة لا تستحق أن تمتلك اسماً: «لم ينادِني أحد في البيت باسمي، أمي تناديني: أميمتي، وأحياناً: أمي الصغيرة... فيما أسمع أبي يقول: يا بنت... أين البنت؟ أعرف أنه يقصدني».
بالتوازي مع هذه الـ«حُرمة» التي لا يحقّ لها امتلاك اسم ولا هوية ولا صوت، نجد شقيقتها الكبرى لولا التي تمتلك اسماً وحياة سرية خاصة بها و«أفلام بورنو» تخوض فيها بشراهة بتواطؤ أسرتها التي لا يهمها سوى الأموال التي تأتي من ابنتها الكبرى من دون السؤال عن مصدرها. إنه الفقر هنا وما يفعله في حياة اليمنيين، فالمهم أن لا ينكشف شيء ويبقى الأمر طي الكتمان.
وعليه، تسير حياة لولا، تقوم بإعادة تركيب (رقع) غشاء بكارتها؛ لأن مدير الشركة (ولي نعمتها) الذي تعمل معه يرغب بأن يجدها بكراً في كل مرة يدخلها. لكن عندما يتقدم بها العمر، يتركها الجميع لتجد نفسها مضطرة إلى إغواء أحد الشباب وجلبه إلى غرفتها في بيت والدها من طريق إلباسه زياً خاصاً بالنساء. يعود الأب من عمله باكراً بسبب وعكة ألمّت به، يسمع أصواتاً صاخبة آتية من غرفة ابنته، يفتح الباب الذي لم يكن موصداً ليجدها غارقة في لذتها: «كنت تعلم كل شيء وتتصرف كأنك لا تعرف» تقول البنت لأبيها.
في المقلب الآخر، كانت الـ«حُرمة» قد خاضت كثيراً في الحياة، لكن من دون تذوق لذاتها الكاملة. تُرغم على الالتحاق بمعهد سلفي لا يُسمح فيه بالاختلاط، رغم أنّه يضمّ محاضرين شيوخاً يعلّمون كيف «تكون المعاشرة الزوجية مليئة بالإشباع العاطفي». حالة تكاد تكون تكثيفاً لواقع هذه الجامعات الدينية التي تعيش كبتاً مضاعفاً داخل بيئة مكبوتة أصلاً. كبت يدفع الـ«حُرمة» إلى القبول بزوج (مجاهد) جلبه لها شقيقها، الماركسي السابق والأصولي الحالي، لكنّها تكتشف لاحقاً أنّها قد تزوجت عنيناً عاجزاً عن فعل شيء. يتواصل الحرمان بينما يتقدم الجهاد عندما تقرر الذهاب مع زوجها إلى أفغانستان لمحاربة «الملحدين الكفّار». إنّه استرجاع لوقائع سفر آلاف الشباب اليمنيين والعرب إلى أفغانستان أيام الاتحاد السوفياتي السابق. لاحقاً، تعود الـ«حُرمة» إلى اليمن بعدما عاشت أهوالاً وعبرت سجوناً كثيرة. لكنّها تعود من دون زوجها الذي وقع في الأسر. ويطول غيابه بينما يرتفع مستوى الرغبة عندها. يدفعها ذلك إلى أخذ «فتوى شرعية» تتيح لها الطلاق من الـ«بعل» الذي لا يُعرف مصيره. تتزوج ذلك الشيخ الذي أعطاها الفتوى، لكنّ ليلة واحدة كانت كافية لتعرف الـ«حُرمة» أنّ زوجها المفتي «لا يستطيع»، ليقع الطلاق فيما يواصل الحرمان تقدّمه والجنون أيضاً.
اللافت في الرواية أنّ علي المقري يسرد كل هذه الوقائع والحياة المكبوتة لأبطاله مع تركيزه على «حُرمة»، لكن من دون اللجوء إلى التنظير وطرح أحكام قيمية على تصرفاتهم. كأنّه أراد تبسيط تلك الحيوات المركبة وإعادة تركيبها بواقعية قصوى من دون الوقوع في التقريرية والمباشرة والوعظ، حتى في طريقة تعمده وصف العمليات الجنسية التي احتواها العمل بإفراط قد يجده بعضهم استفزازياً وفجاً. إلا أنّ هذا لا يحجب حقيقة أنّ هذا يحدث في حياة سرية يعلم الجميع بوجودها، لكن لا أحد يستطيع الكلام عليها بصوت مرتفع.


"الأخبار" العدد ١٧١٦ الجمعة ٢٥ أيار ٢٠١٢

السبت، 9 أكتوبر 2010

مقتنيات وسط البلد

عم ميكي .. وأنا


                                (1)
تضعني الكتابة عن شيء ما يخص مكاوي سعيد في مأزق دائم. في كل مرة أحاول أن أضع محبتي الشخصية له جانبا فأفشل. يستحيل عندي فصل كتابته عنه. لا أرى مكاوي ذاته مفصولا عن إنتاجه الأدبي. أدري أنه عيب فيني ولابد من فصل الشخصي حال الكتابة لكن ما حيلتي والرجل لا يسمح لك إلا أن تحبه.
ومدفوعا بهذه الحالة كنت في كل مرة أتقاطع مع مكاوي أو( عم ميكي، كما نسميه)  في مكان ما أود سؤاله مثلا عن شخصية المُدّرس بطل "تغريدة البجعة" أو انشراح في" ليكن في علم الجميع سأظل هكذا" أو الطفل الصغير في " شال أبي الأبيض"، سؤاله عنها بوصفها من لحم ودم وقد تقاطع معها ذات يوم أم أنها من عنده ومن خياله؟ و أكون معذورا هنا بالفعل إذ لا يستطيع عقلي الصغير تصديق أن هذا العالم الفسيح الذي يقوم بنسجه مكاوي من اختراعه. أيُّ دماغ تقدر على خلق كل هذه الكائنات البشرية وتضعها على أرضية واحدة متلاعبة بمصائرها على ذلك الشكل المدهش والرائق..و المحزن. و مسنودا بتلك الافتراضية بقيت قارئا لمكاوي سعيد. أتتبعه وكأن بي رغبة دفينة لتأكيد فرضيتي وأن كل هذه الشخصيات البشرية الهائلة التي يقدمها لنا لا يمكن غير أن تكون قد مرت عليه وخالطها. هو تفكير عبيط، أعرف لكنه لاحقني ولم يدعني لهدوء بالي.
                                (2)
لم أجد، بالطبع تأكيدا لما وددت إثباته كما لن أجد وذلك لسبب بسيط لكنه هام وحاسم؛فشخصياته في الرواية وستبقى فيها وليس لنا أن نأخذها كما هي بلا أسئلة تبحث عن كونها حقيقية من عدمه. وهو ليس مجبورا كي يفصح لنا عن واقعيتها أو أنها متخيلة. ليس لنا غير القراءة والاستمتاع فقط. لكن مكاوي سعيد ومن حيث لا يدري قدم لي فسحة أخرى يمكنني فيها وبراحة بال ممارسة هوايتي في تقصي واقعية شخصياته من عدمها. كتابه الأخير"مقتنيات وسط البلد"، (دار الشروق-القاهرة،الطبعة الثانية،يونيو2010) قدم لي ما أريد فاعلا إمكانية ذهابي متقصيا شخصياته،الحقيقية هذه المرة وتتبع حط مسار حياتها في وسط بلد القاهرة.
(وصلني الكتاب قبل أيام محمولا بيد صديقة عزيزة تعلم مدى عشقي للكتابة التي يصنعها مكاوي سعيد فحضرَتْ حفل توقيع له وأخذت نسخة مهداة لي. وعليه امتلكت نسختين منه. لم تكن تعلم أني قد امتلكته نسخة سابقة وعليها توقيعه أيضا ووصلتني في رمضان عن طريق صديق. أخبرت مكاوي بالمصادفة التي وقعت معي فلم يتذكر غير توقيعه على النسخة الأولى وبرر نسيانه باحتمال إصابته بزهايمر مبكر، وضحكنا).
                                 (3)
في "مقتنيات وسط البلد" يقوم مكاوي بتسجيل حكاية 41 شخصية مرت على هذا المكان الشهير،امتلكت مواهب حقيقية وفذة لكن زحمة الحياة وقسوتها لم تتح لها أن تظهر وتكون في الواجهة فسُحقت تحت عجلات قطار سريع لا يرحم ولا يعطي اعتبارا لأحد. ولهذا فهو يقوم بعمل مايشبه التحية لهم ودليلا على أنهم مروا من هناك وعبروا المكان ولم يأخذوا حقهم منه، منهم من انتهى ومنهم من هاجر ومنهم من وقع في الجنون. ويأتي هذا التعاطف الواضح من قبل مكاوي تجاه هذه الشخصيات لاعتقاده أنه في الأساس واحد منهم وربما كان سيصبح واحدا من المقتنيات ومكتوبا بقلم أحدهم ربما التقط فكرة الكتاب لولا أن رياح الشهرة قد دقت على بابه وأخذته إلى المقلب الآخر من منطقة وسط البلد وذلك بعد الانتشار الذي حققته "تغريدة البجعة". واللافت أن فكرة كتاب المقتنيات قد سبقت كتابة التغريدة وتحديدا في العام2002 حيث قرر كتابة قصص قصيرة عن تلك الشخصيات التي ماتزال تسكن ذاكرته وإن بشكل غير دقيق لكنه سيستعيض عن هذا بالاعتماد على خياله ما يمنحه فرصة لرسم شخصيات تقدر على استمالة القارئ وانتزاع تعاطفه وميله إليها. ولم يكن هذا سيتحقق بشكل كامل ومتقن بدون كتابة تفاصيل عن الأمكنة التي مرت عليها هذه الشخصيات، ولكن المشكلة أن معظم تلك الأماكن قد تغير أو اختفى أو فقد روحه الأصلية من مقاه وبارات ومطاعم ومنتديات ثقافية ازدهرت في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، فكان لابد من كتابة شروحات إضافية في الكتاب لها أن تصف بدقة البيئة التي كانت تحتوي هذه الشخصيات. ولما كان هذا الاقتراح سيعمل على إزعاج القارئ بمتابعة الهوامش في نهاية كل قصة أو صفحة فرأى مكاوي أن يقسم الكتاب إلى قسمين؛ واحد أسماه"كتاب البشر" في حين حمل الثاني اسم"كتاب المكان".
                              (4)
وعلى هذا يكتب مكاوي سعيد" مقتنيات وسط البلد" باعتباره واحدا من أمراء وسط البلد، حد وصف جريدة "الأهرام" القاهرية له. يكتب من موقع الحب والعاشق لهذا المكان والمرتبط به وبناسه ارتباطا وثيقا لم تقدر قسوة الأيام الحاضرة على خلخلته أو وضعه محل شك أو ارتياب. يكتب بعين لاقطة لشخصيات لم تلفت اهتمام أحد،كانت تمارس سيرها بانتظام على مساحة المكان. يكتب ربما بحزن على ما صار إليه وعلى نهايات أبطاله الحقيقيين، بشجن، ولكن ليس بحنين مريض قد لا يجعله يستبين الصورة القديمة تماما ويعمل على إعادة الحياة إليها وإظهارها للنور منتزعا إياها من عتمتها. وهو بهذا ينجو من مسألة وقوعه في حالة قد تجعله يعمد إلى وضع تلك الشخصيات في منطقة مقدسة لا يصح الكتابة عنها بسوء أو بيان نقيصة وهنات كثيرة، سواء في السلوك أو التحولات التي حصلت لها. منها شخصيات يسارية راهنت لوقت غير قصير على مشروعها المدني والتحديثي لكنها انقلبت تماما على كل هذا لتقبل بالفتات وصارت قابلة للبيع بأي ثمن.
ويكتب مكاوي غير باحث ولا ناو فضح شخصياته، بشكلها الذي ظهر في الكتاب،ووضعها في دائرة التعريض والسخرية وجعلها في متناول التندر بسبب غرابة الحياة التي عاشتها.هي بالفعل حكايات قد تستفز الضحك فيك لكنك لا تضحك. تبقى فقط في منطقة التأمل والدهشة وربما الحزن من أجلها.على العكس تماما من فكرة السخرية. يتعامل مكاوي مع نحو 41 شخصية بمنطق التعامل مع مقتنيات ونادرة وقعت بالصدفة في خزانة الإهمال فجار عليها الوقت ولم يعمل حسابا لها فطمرها بترابه. وعليه عمل مكاوي على إزالة هذا التراب عنها وعرضها بشكل يليق بها ومن ثم وضعها في الواجهة كي تأخذ حقها من الاهتمام ولو بأثر رجعي.
                                (5)
وعن المكان الذي يحتل مساحة الثلث الأخير من الكتاب نرى تقسيمات و تعاريف لوسط البلد بتكوينه الفرنسي الذي أتى راضخا لرغبة الخديوي إسماعيل في أن يكون قطعة من باريس وقد راودته الفكرة عندما كان طالبا هناك. وبالفعل، عند وجودك في المنطقة وفي وسطها تحديدا ستراها نسخة قد تكون مطابقة لمدينة النور، لكن مع فارق أساسي يتمثل في الروح التي تحضر هنا وتغيب هناك. مسألة البشري الذي يتكون من لحم ودم وتشعر بأثر حركته على المكان خصوصا في ميدان طلعت حرب و الحميمية الفائضة التي تنبعث منه وتنعكس على ملامح العابرين عليه من شارع الفلكي إلى شارع قصر النيل وطلعت حرب باشا وشارع منصور والبستان الذي كان عليه قصر البستان وتم هدمه ليتحول إلى جراج متعدد الطوابق.
شارع عبد الخالق ثروت وشارع عماد الدين المشهور بمراقصه ومسارحه ودور السينما وصالات الغناء. وعلى هذه الشوارع تنتشر المقاهي التي ميزت المنطقة، مقهى سفنكس بشارع طلعت حرب أمام سينما راديو ومقهى الحرية الذي كان نقطة لقاء مشاهير كبار مثل محمد عبد المطلب وتحية كاريوكا وبشارة واكيم والشاعر كامل الشناوي ورشدي أباظة وأنور السادات وأحمد رمزي وشكري سرحان. ولا يزال هذا المقهى باقيا ولم يتعرض للإزالة والمحو وذلك نظرا لعدد الورثة الكبير الذين سوف يحصلون على مبالغ تافهة في حال بيع المقهى بعد تقسيم مبلغ البيع في حين يحصلون حاليا على مبالغ يومية ترضيهم.
مقهى زهرة البستان الذي يعتبر المقر الرئيسي لمكاوي سعيد وعلى أي راغب في لقائه عليه الانتظار هناك فحتما سيظهر مكاوي ولو بعد حين. وعرف هذا المقهى أسماء كبيرة مثل نجيب سرور ويحى الطاهر عبد الله وعفيفي مطر و الغيطاني ثم جاء إليه عدد من الجيل السبعيني انسحبوا من مقهى ريش الذي يقع في الجهة المقابلة منه نظرا لتردي خدماته وتمييزهم لفئة من الزبائن عن الأخرى. ومقهى ريش كان له حديقة واسعة وتمتد إلى ميدان طلعت حرب الآن. كانت تعقد فيه ندوة نجيب محفوظ منذ عام 1963 عصر كل يوم جمعة. في الفترة الأخيرة صار مكانا طاردا للمثقفين الذين استمد سمعته من تواجدهم عليه" والأجانب مرحب بهم جدا داخل هذا المكان، لكن المثقفين الذين استثمر الملاك المكان باسمهم يعاملون بإهمال واستخفاف..هذا ما انتهى إليه هذا المكان الجميل". بالمقابل هناك بالقرب منه كافتيريا الجريون بجوار مسرح قصر النيل وهو الآن من أبرز الأمكنة التي يلتقي فيها المثقفون ويتمتع بألفة حلوة ورحابة لا تجد صعوبة في التمييز بينها وبين ما تلاقيه في ريش.

مكاوي سعيد.. أو ميكي

خجول ولا يمكنك أن تأخذ من غير جملة سريعة ردا على كلام قلته أنت في خمس دقائق معترفا أنه يهاب الناس بطبيعته الخجولة.يسير في شوارعه المعتادة بتردد ورهبة كأنه يمشيها للمرة الأولى. يعترف أن" شوارعي" ليس له علاقة طيبة بعادة البقاء في البيت لفترات طويلة.
ولهذا تأخذ المقاهي نصيبا حلوا من وقته ولهذا لا تجد صعوبة في العثور عليه لو كنت في زيارة للقاهرة فيكفي أن تمر على مقهى زهرة البستان الشهير وتجلس هناك لفترة غير طويلة من الزمن فلابد أن يأتي مكاوي مار من هناك. وهو غير متكلف بطبعه. تجده قادرا على خلق علاقة سريعة مع الناس أيا كانت مستوياتهم الاجتماعية فالكل سواء عنده. يبدو موهوبا هنا كما هو موهوب في الكتابة البسيطة المتينة التي لا تجد صعوبة في مخاطبة القارئ العادي  ولكنها تعمل في داخله الكثير.
أصدر مجموعة قصصية"الركض نحو الضوء" 1981ورواية"فئران السفينة"1991 ثم مجموعة" راكبة المقعد الخلفي"في 2001. بعدها بسنة بدا في كتابة"مقتنيات وسط البلد" لكنه توقف لكتابة" تغريدة البجعة" فترة استمرت لما يزيد عن ثلاثة أعوام. إلى ما قبل صدورها كان يسير هادئا دون أن يلاقي إيقافا من معجبة أو معجب وبلا يقين من إمكانية تحقق أي شيء ومترنح في مرات بين حلم أن يصير كاتبا شهيرا وبين أن لا يكون شيئا بالمرة. عندما كتب" التغريدة"كان واثقا من شيء واحد فقط؛هو أنه قد كتبها بشكل رضي عنه بشكل تام مقتنعا أنه سيلاقي قبولا ما،لكن أبدا لم يكن يتوقع أن تحصد كل هذا النجاح الذي لاقته وما تزال" لم أكن أتوقع هذا النجاح المذهل بالنسبة لي، لهذا كان لابد أن أهدي هذا الكتاب للقراء، فلأول مرة في حياتي يقابلني أناس في الشارع يستأذنونني أن يشتروا الرواية لأوقع عليها، أو أن استقبل تليفونات من قراء عاديين، أو أن تأتيني قارئة تصر علي أن أوقع لها علي فقرات معينة في الرواية أثرت فيها تأثيرا كبيرا وهكذا". صدرت الرواية في طبعات متوالية وفي طبعة شعبية خاصة.وكانت صعدت لمرحلة القائمة القصيرة لجائزة البوكر للرواية العربية وتنافست مع رواية" واحة الغروب" للكبير بهاء طاهر.
قال مرة للزميل سيد محمود أن «الشهرة سمحت لي بالمقاوحة» وفرض الشروط وهي فرصة لن أتركها، فاليوم صار لقب «الكبير» يتبع اسمي بينما كنت قبل شهور «الكاتب المجهول» لكنّ اللقب الجديد لا يعكّر مزاجي، ولا مزاج أصدقائي، فما زلت الشخص نفسه، متمسّكاً بطقوسي كلّها، ما تغيّر فقط أنّني أستخدم التاكسي بدلاً من الباص، والكتّان بدلاً من الجينز. أما لقبي الجديد فأستخدمه فقط في مواجهة كل من أتعب قلبي زمان. فالشهرة يا صديقي مجرد حجر رُفع من مجرى النهر الذي ظل مسدوداً لسنوات، اليوم فقط صار ممكناً أن تخصّص مجلة أدبية مثل «الثقافة الجديدة» عدداً كاملاً عن أعمالي، بينما كانت هيئة تحريرها قبل عام تلوّعني شهوراً لتنشر لي مجرد قصة قصيرة».
نُشر هذا المقال بجريدة "الثوري" اليمنية عدد يوم الخميس7 أكتوبر 2010