الجمعة، 9 ديسمبر 2016

انتصاب أسود ..


أعادتني هذه الرواية الجديدة لأفعال كاتب يمني جنوبي مقيم في فرنسا كتب روايتين عن إمرأة يمنية شمالية تركته بعد أن وصل بهما الأمر إلى نقطة اللاعودة بسبب فارق السن وقد وصل هو إلى حافة الستين. هكذا تم اختراع فكرة أدب الروايات الانتقامية. هي تركتني وأنا سأكتب عنها رواية وسأفضحها أمام العالم. وأبعد من هذا، فكرة انتصار أهل الجنوب على أهل الشمال عن طريق الفرِاش. يقول بأن فتيات الشمال يقعن في هوى رجال الجنوب لأنهم يمتازون بالأناقة والذوق وحُسن تعاملهم مع النساء على عكس رجال اليمن الشمالي الأجلاف والقُساة وغير المتعلّمين. بمعنى : أنتم انتصرتم علينا في لعبة السياسة وغزوتم أرض الجنوب في 1994 ونحن انتصرنا عليكم في السرير.
وأيمن الدبوسي طوال الرواية يذهب في مدح قضيبه الاستثنائي. وينتصر عن طريق ذلك القضيب المُذهل على كل أعداء الربيع التونسي. رحلة طويلة وسرد مُسهب لتلك الانتصارات التي يحرزها البطل الصامد في كل معاركه، القضيب الذي رفع رأس الثورة في وجه كل من حاول النيل منها. وهي على كل حال بطولات تافهة تم سردها في رواية تافهة قامت بتحويل الأدب إلى مجموعة من التفاهات مجتمعة بين غلافي كتاب. 

الاثنين، 5 ديسمبر 2016

أهل الهوى ..


هذه سيجارة أم حشيش! هي الأولى. من طريقة القبض عليها نعلم. من شكل الأصابع التي تُمسك نعلم. لا تحتاج المسألة لتوضيح كما أن للحشيش موضعه. خاص ولايمكن أن يكون في فضاء عام. تُفقد لذته إن لم يكن سريّاً ويطير دخانه في أمكنة مظلمة لا تعرف طريقها عيون متلصصة أو مُخبرة. ثم مالحاجة لحشيش ولضبط مزاج على إيقاعه وهناك مايعمل على التعويض. استبدال الحشيش بصوت. أن تقف أمام صوت ليصعد المزاج إلى النافوخ من دون جهد أو تعب أو وقت ضائع في "الّلف". ما أن تقول الست : " مِن كُتر شوقي سبقت سِني " حتى يطلع المزاج إلى أعلى ما يمكن. منطقة لايمكن الوصول إليها بحشيش أو بغيره. لا يبلغها الواحد بغير الصوت ، صوت أم كلثوم وهيّ تُطرب " أهل الهوى ياليل فاتوا مضاجعهم واتجمّعوا" وأنا معهم وهذه السيّدة التي في الصورة وتُدخن تستمتع الآن لصوت الستّ وتبدو في حالة طيران سابحة في الأعالي ولم تعد تعرف طريق عودتها إلى البيت.

الأحد، 4 ديسمبر 2016

تعا بوس .. ريما خشيش


مليون تحية لهذا الصوت الذي يُعيد الاعتبار لفكرة الصوت البشري من جذوره. وهو يضع فارقاً بين صباح وآخر لأنه موجود الآن معي . مجرد تحيّة لهذا الصوت الذي بمجرد أن يطلع في مواجهتي حتى تتوقف آلة التفكير في الآتي وأبقى أُفكّر في اللحظة التي بين يديّ وأقبض عليها بروحي. وبين هذا وذاك أُفكّر أيضاً عن السبب الذي لايدفع ريما خشيش أن تبقى مثل غيرها، أن لا تتعب وتقول أي كلام! كلنا سنموت فلماذا كل هذا التعب والبحث والاجتهاد! كل هذا القلق والسهر والتنقل من بلد لغيره من أجل حصولها على نص وكلمة جيدة هنا وهناك! هي فكرة السهولة التي صارت تُحيط بحياة الناس ولا مشكلة من السير خلفها! هذا يجعل الأيّام سهلة وتمشي من غير ضجيج وتعب وبحث وخطوات نفعلها لأعلى الجبل! في لحظة أقول: إنها حمارة وهي تضيّع شبابها وسوف يضيع كل هذا الجهد ولن يلتفت إليه أحد. لكن أعود وأقول لمن ينام بجواري منذ عشر سنين : قوم ، واسمع، هناك حفلة في بيتنا. حفلة روح وحياة بقيادة صوت واحد وحيد لكنه كون. و .." تعا بوس " بحسب ما تقول ريما خشيش في أُغنية لها.

الخميس، 1 ديسمبر 2016

Snowden


الخوف يعيق الحُب والشك يقتله. الخوف من عدسات مراقبة مُثبتة في كل مكان وفي نقاط لا تعرف أين وضعوها. الخوف من الكاميرا المثبتة على جهاز الحاسوب. كل لقاء حُب يبقى ناقصاً وما يتبع هذا من تلف في القلب ولا يظهر إلا مع مرور الوقت. والفتاة مُتعبة ولابد للجسد من راحة. لكن صديقها منشغل بكل ذلك الخوف ولايقدر أن يقول. وظيفته في أوسخ جهاز استخباراتي في العالم تمنعه من الافصاح عن سر انشغاله. إنهم يرصدون حتى لحظات عريهما. لعل هذا مادفع بإدوارد سنودن لفضح ذلك الجهاز الاستخباراتي ومايفعله من تنصت ورصد لآهات الناس في كل مكان بحجة الارهاب. لا إرهاب أكثر من عملية رصد لقاء حبيبين في لحظة صفاء. أن تجد حالك عارياً ومراقباً من الأخ الأكبر. يجد سنودن نفسه مضطر للاكتفاء بالقليل وهي فتاة في قلب شبابها وتريد حبيباً يعتني بها ( قامت بدورها الفاتنة شايلين وودلي وأخرج الفيلم أوليفر ستون) . تعترف بأنها تفعل لقاءات على الانترنت وليس أكثر من هذا والحق معها. أُقسم بالله أن الحق معها. ماذا تفعل لكل ذلك الليل المُحيط بها ووحيدة تبقى في مواجهته. يخبره رئيسه في العمل أن لا يذهب في شكه بعيداً مؤكداً أنها لم تضاجع صديقه. لا يفيد كل هذا لراحة باله. يذهب لفضح الاستخبارات الأميركية بكلّها. 
وهذا هو الحُب. 

الأحد، 30 أكتوبر 2016

وكأن سجن الحياة لا يكفي ..!


هذه المرّة قصفوا سجناً. بعد أن تعبت السعودية من قصف صالات العزاء وقاعات الأعراس وقتل التلاميذ في مدارسهم والأطفال في غرف نومهم. هاهيّ طائراتهم تقصف مركزاً أمنياً وتقتل نحو ستين سجيناً كانوا غارقين في نومهم. صارت طائرات آل سعود تطير وتطير طوال الليل ولاتجد ماتقصفه بعد أن قصفت كل شيء ولم يعد من شيء ظاهر أمامها لتقصفه. هكذا تدخل السعودية في نفق جديد ومعضلة إضافية تشير للمأزق الذي صارت فيه ودفعتها للقول بأن الصواريخ الإيرانية صارت تستهدف الكعبة. ولهذا أتت للانتقام من سجناء محصورين في سجنهم. كأن حصار السجن لا يكفي فقررت هيّ قتلهم وتخليصهم من الحياة القاسية.

السبت، 15 أكتوبر 2016

كانت تلميذة مجتهدة ..


كانت تلميذة مجتهدة. هذا واضح من صورتها الأخيرة. صورتها الأخيرة في الحياة قبل أن تموت مُختنقة. قبل أن يغمرها كُل تراب الأرض. وكانت هذه التلميذة اليمنية مجتهدة وتحب مدرستها. هذا واضح أيضاً ولا يحتاج لتوضيح وإثبات. لقد نامت بثيابها المدرسيّة كاملة خشية أن تضيّع دقائق صباحها البارد في البحث عن زيّها المدرسي. كانت حريصة على كسب تلك الدقائق الثمينة التي كانت ستضيع بحثاً في دولاب ملابسها. كما يظهر حجاب رأسها مضبوطاً على نحو جيّد وكذلك الغطاء الذي نامت تحته ويبدو حرصها على وضعه بعيداً عن لمس حجابها كي لاتتأثر عملية ضبطها له فتحتاج دقائق أخرى صباحاً لتعيد تضبيطه. كانت تلميذة شاطرة وحريصة على كل دقيقة.
 على هذه الطريقة كان منهجها في الحياة. في حياتها القصيرة التي قصفتها طائرة سعودية اعتبرت جسدها الضئيل هدفاً حوثياً فقصفته. وكلنا صرنا أهدافاً حوثية يجوز قصفها وتسويتها بالأرض. غمرها بالتراب وقطعها عن أسباب الحياة.
هكذا ستتأخر تلك التلميذة عن طابورها المدرسي وستضيع حصتها الأولى و .. الأخيرة. لن تحضر دروساً بعد اليوم. ستنادي أستاذتها بأسماء الصف الدراسي وحين تنده باسمها لن يكون صوتها حاضراً ليردّ، ليقول : أنا حاضرة يا أستاذة.
وسيبقى مقعدها فارغاً ولن يشغله أحد. 






الاثنين، 10 أكتوبر 2016

الخاتم بوصفه بطاقة شخصية ..


سيعرفه أهلهُ من خاتمه الواضح في الصورة. سيعرفه أهلهُ من الخاتم الذي بقي من جسد ابنهم. سيُقلّبون في كومة الجثث التي صارت فحماً ولن يعثروا على شيء سوى الخاتم. مؤلم هو أن يتحوّل إنسان إلى مجرد خاتم الخاتم نفسه والذي كان يضعه على اصبعه من وقت طويل وكان معه حين ذهب لتأدية واجب العزاء في القاعة الكبرى في صنعاء والتي قصفتها طائرة سعودية في وقت كانت تضم بداخلها مايزيد على الألف شخص. والنتيجة : مناسبة عزاء تحوّلت لحفلة شواء عناصرها لحم بشري.
وعن طريق الخاتم  ستعرفه الزوجة وسيعرفه الأولاد الذين اعتادوا تقبيل يد أبيهم كل صباح. اليد نفسها التي كانت بخمسة أصابع وصارت اصبعين ونصف الاصبع. ولو رأيت الصورة من جهة أخرى سأكتشف أشياء كثيرة لم أكن أفعل لها اعتباراً في أيّاميّ العادية الماضية قبل أن تصير الطائرات السعودية هي الكائنات الوحيدة التي تُحلّق في سماء حياتنا.قبل أن تصير تلك الطائرات قابضة على مصيري وتتوقف حياتي على مجرد صدفة لها أن تُبعدني عن الأمكنة التي تواصل قصفها منذ سنة ونصف السنة.  سأكتشف كم كُنت غبياً حين وضعت في إصبعي خاتماً يشبه خواتم ثانية بلا علامة واضحة تعمل على تمييزه. خاتمي يشبه خواتم كثيرة وأكثر من أن تُحصى. هكذا كُنت سأضيع بين أكوام الفحم البشرية وسأشبه غيري. كُنتُ سأدفع ثمن تكاسليّ عن اقتناء خاتم له سمات تخصه وحده ومختلفاً عن سواه حتى يكون التعرّف عليّ سهلاً بعد أن يفعل الصاروخ السعودي قصفه لحياة كومة من الناس وأنا بينهم.
( يا الله. كيف أن أحلامي صارت تتضاءل على نحو مخيف. بقيت أحلم فقط وأتمنى أن أموت على نحو محترم وهادئ وليس في حفلة شواء سعودية. أن أموت وأن يتبعني اسمي على الأقل مكتوباً على شاهدة تُغرس في قلب قبري! ). 
 وعليه سيكون حتفي هامشياً وشبيهاً لحياة سواي كما كانت حياتي هامشية وبلا نقطة مختلفة لصالحها. حياة ببلاش لا قيمة لها ومثلها سيكون موتي. كما لا زوجة لي ولا أبناء كي يسعوا للتعرّف عليّ من الأساس. لا قلق من هذه الناحية. 
لكن يبقى الأمل الوحيد في قلب أميّ. وحدها من ستنجح في التعرّف عليّ وقد صرتُ فحماً وسط كومة فحم.. بشرية. الأمهات لسن بحاجة لخواتم أو علامات مميزة كي يعرفن هويات أبنائهن حتى وقد صاروا كومة من فحم. هذا الجسد الذي تحوّل لمجرد خاتم سيتعرّف عليه قلب أمه. لكن الطائرات السعودية لا تعرف ذلك. 



الاثنين، 29 أغسطس 2016

the act of killing


عن أولئك الذين بنوا مجدهم الشخصي وثرواتهم من دماء الأبرياء وقد أتى وقت البوح والاعتراف. لا عقاب واحد يقع عليهم في الفيلم ولا مشاهد قتل حقيقية . مجرد بوح يقومون به أمام كاميرا المخرج جوشوا أوبنهايمر الذي قال عنهم " إنهم يشعرون بالفخر بما فعلوه" حين كانوا يقومون بإعادة تمثيل الأساليب التي كانوا يخترعونها وهم يقومون بقتل الشيوعيين في أندنوسيا خلال الأعوام التالية ل 1965. وفي مشهد واحد تذكّرت زعيم الإخوان المسلمين في اليمن ( يقيم الآن في تركيا بعد تركه للسعوديّة ) وهو يتوقف عن تعذيب وقتل شباب اليسار أيّام كان واحداً من جبابرة الجهاز الأمني في اليمن الشمالي. يتوقف عن تعذيبهم في اللحظة التي يؤذن فيها للصلاة. يرمي بعصاه من يده ويذهب وهو مؤمن بجلالة العمل الذي يؤديه مرضاة لوجه الله. حين سألت أحد الذين تعذبوا على يديه ( وهو اليوم محام كبير رفض إجراء حوار معي ضمن ملف الإخفاء القسري الذي كانت جريدة "النداء" تقوم به ) ، قال لي كُنّا نعرفه من هذه الحركة لأنه كان الوحيد الذي حين يدخل علينا يقومون بوضع أغطية على عيوننا كي لا نرى الفاعل. "كُنّا في ذلك الوقت نتمنى لو طال أذآن الصلاة واستمر إلى الأبد". 
اللقطة نفسها تظهر في هذا الفيلم. حين يرتفع صوت الأذان في المدينة يتوقف التعذيب مؤقتاً ليُستكمل في وقت لاحق. وهو تعذيب إجرائي لا غير حيث وقد صدر الحكم بالقتل. يحققون معهم فقط كي تقع أيديهم على أسماء شيوعية أخرى لتضاف إلى القائمة التي ضمّت نحو مليون شيوعي تمّ التخلّص منهم في سبيل حماية الدين والوطن.
من نقطة فشل الانقلاب ضد سوهارتوا والدعم الذي لقيه من أميركا ومخابراتها لتتمّ عملية استباحة دماء الشيوعيين الذي لم يسأل عنهم أحد وإلى اليوم ولم تُفتح ملّفات ما حصل. في حين ينتظر أولادهم وأحفادهم هذا وهم يريدون الانتقام لكنهم لا يستطيعون.
وطوال الفيلم نرى لأنور كونغو وهو واحد من أبرز الذين قاموا بتلك الكمّية الرهيبة من القتل ( قتل نحو ألف ضحية بيديه ) . يعيد تمثيل أفعاله ليقول في النهاية حين قام بأداء دور أحد الضحايا: كيف فعلت كل هذا!
ولا يُقدّم هذا الفيلم الذي نال جوائز عديدة وتمّ احتياره مؤخراً ضمن قائمة أفضل مائة فيلم خلال القرن الحالي، لا يُقدّم مشاهد وثائقية مطلقا بل يعتمد على قدرة أبطاله الحقيقيين في إعادة تمثيل ما قاموا به مع ضحكاتهم. لكن لا يستمر الضحك إلى النهاية حيث يقف أنور مع نفسه وهو يعاود الدخول إلى أحد المواقع التي كانت مسرحاً لعمليات قتل كثيرة، يعيد الحكاية والتفاصيل ويستمر لكنّه يتقيء في نهاية الأمر وتنزل دموع من عينيه.
يبدو الفيلم هنا وكأنه فرصة كي يتشافى القاتل من أوجاعه الأبدية. وهو يقول " استعنت بالموسيقى والرقص والكحول كي أجد طريقاً للنسيان".
ومع كل القسوة التي ظهرت في هذا العمل الجبّار إلا أن ما يلفت أكثر، للفكرة، تلك الإمكانية التي صارت متاحة لقول كل شيء ولو كان مرور الأمر دون عقاب فهذه قضايا لا تسقط بالتقادم ويبقى أن ينتظر ، نحن على وجه الخصوص، اللحظة التي سيقرر فيها كل القتلة وزعيم الإخوان على وجه الخصوص واستعادة لمشهد الآذان إياه، اللحظة التي سيقررون فيها قول كل شيء والاعتراف. هناك كثير من أهالي ضحايا يمنيين ينتظرون بفارغ صبر حلول تلك اللحظة التي ومن بعدها سيجدون فرصة للنوم بهدوء وقد اعترف القاتل بما فعلت يداه. 

الأحد، 14 أغسطس 2016

معاً ومعاً ..




صار لا بد من مفاوضات شاقة مع ماما زمزم كي أخرج من البيت. صار عليّ شرح أسباب هذا الخروج والجهة التي سأذهب إليها وحجم الوقت الذي سأقضيه هناك. هي تعتقد أن الطائرات لا تقصف سوى الأمكنة التي أكون وأتواجد فيها. أخبرها أن احتمالات القصف مفتوحة على كل الأماكن بلا تفريق ولا توجد منطقة آمنة. قد يضربون هنا أو هناك. هذا على الرغم من ظهور منطقتنا كمساحة آمنة طوال الفترة الماضية فليس فيها مقر حكومي أو موقع عسكري يستحق القصف. هي منطقة الفقراء والنّاس العاديين. المرة الوحيدة التي قُصفنا فيها كنت أنا في جهة بعيدة منه. حال عودتي إلى حارتنا ظهرت لي آثار القصف  في واجهة المحلات الزجاجية والهلع الظاهر في وجوه الذين قابلتهم وهم يحكون لي تفاصيل تلك اللحظات وكانوا يعيشونها للمرة الأولى. أخبرني الشاب الذي يمتلك محل حلاقة في منطقتنا وهو صديقي،  كيف خرجت نساء وفتيات من صالة الأعراس القريبة من محله بثياب الاحتفال وبكامل زينتهن وقد أنساهن صوت الانفجار ارتداء أغطيتهن السوداء التقليدية. قال لي مُبتهجاً وساخراً:" هل كنا بحاجة لهذا الانفجار كي نكتشف حجم الجمال اليمني الذي نملكه". سمعته ولم أبتسم. 

في الصباح رأيت زمزم وأنا استعد لخروجي. وقبل أن تعود لتكرار استجوابها ومحاولة منعي من الخروج كي لا أوجه الأخطار المحتملة أخبرتها بنبرة صارمة أن القصف الوحيد الذي حصل لمنطقتنا حصل وأنا بعيد عنه.
لكن أنا أعرف. هي تريد أن نبقى معاً لأطول وقت ممكن في مكان واحد، هي تريد أن ننجو معاً وإن حدث قصف علينا فنموت معاً.

السبت، 16 يوليو 2016

في مسألة إهانة الطماطم


من أجل فهم مسألة ارتفاع نسبة الطلاق في اليمن الشقيق أرى لضرورة النظر لمسألة الطريقة التي تتعامل فيها النساء مع الطماطم. وضع هذا النوع من الخضار فوق النار وعلى الزيت على طول. هي جريمة لا يمكن غفرانها أبداً. جريمة لا تسقط بالتقادم. لكنّها هنا السرعة التي تدفع اليمنيات لإضافة الطماطم على الزيت قبل أن تطلع رائحة الطماطم نفسه وهي يقتلي على نار هادئة ووحيداً على المقلاة. قبل وضع الزيت. رائحة الطماطم لا تطلع أبداً بعد الزيت. هيّ تظهر قبل وضعها فوقه. تظهر رائحة الزيت فتطغى على كل شيء فلا يعود للطماطم من معنى للوجود. تحصل عملية انتهاك لحضرته. وهو الخضار المحترم وسيّد المائدة والمطبخ. ولا يرضى أيّ سيّد حصول إهانة في حقه. ينسحب ويعود بلا رائحة. يعود المطبخ والطبيخ بلا رائحة. ولا معنى لأي بيت بلا رائحة طبيخ طازج. هكذا يبدو بيتاً جاهزاً للهجران وترك صاحبته.  البيت الذي بلا رائحة طماطم قبل الزيت لهو بيت لا يستحق أن يُعاش فيه وتحت سقفه. والمرأة التي تقود هذا البيت تستحق الطلاق. أيّ إمرأة لا تقدر على فهم طبيعية وكرامة الطماطم تستحق الطلاق وأن تنام وحدها في سرير ضخم حتى نهاية عُمرها. وحيدة ويتيمة وبلا زوج. أو صديق.

الجمعة، 13 مايو 2016

سيبقى كل شيء ..

السيجارة التي كُنّا نشربها معاً ، ستشربينها من اليوم لوحدكِ.
ورقة القات التي كنا نتقاسمها، ستكون من اليوم لوحدكِ أنتِ.
الكأس الذي كُنّا نرتشفه معاً ، سيكون لكِ وحدكِ.
السرير الذي... سيبقى لكِ وحدكِ. 

اللقمة التي كانت تنزل من فمك وألتقطها أنا.
الحياة التي كانت لنا معًا، 

سيكون كل هذا لكِ وحدكِ.
لقد توقفت أنا عن كل شيء.
الذكريات وحدها ستبقى معي .

الخميس، 5 مايو 2016

وقابلت .. أماني



كي أتذكّر موعداً الليلة وأغراضاً أريد جلبها كتبت ورقة. اشتريت نوتة ، مثل كل مَرة، وسّجلت فيها ما أرغب جلبه من السوق والمواعيد التي يجب عليّ عدم نسيانها. لكن المشكلة اني نسيت النوتة والورقة المكتوبة فيها وأني اشتريت تلك النوتة من الأساس كي أسّجل نسياني. تحدّثت مع صديقتي الأغلى في الجريدة وقالت لي بدواء ينبغي جلبه لو صار النسيان إلى هذا الحد. صدّقتها ،وأنا أُصدّقها دائماً، ونزلت الصيدلية كي أجلب قاتل النسيان لكن نسيت اسمه.
زمان، في ذلك الزمان الماضي ، لصقت الأغنية على هذا النحو :" وقابلت أماني وقابلت الدنيا". وبقيت على هذا الحال عُمراً. بقيت فرحانا بها لوجود اسم "أماني" فيها. كهذا أحببت هذا المقطع الغنائي لأم كلثوم، على هذه الطريقة التي وصلت إلى أُذنيّ. "وقابلت أماني".
سأحتاج وقتاً طويلاً كي أفعل تركيزاً سمعياً لأعرف أن الست أم كلثوم تقول" وقابلت أمالي، وقابلت الدنيا". وجعتني هذه المعرفة والمعرفة تقتل. ما حاجتي لهذه المعرفة إن كانت تفعل وجعاً وقتلاً في صميم القلب وفي قلب "أماني" على وجه التحديد. ما كان نقص من أم كلثوم والشاعر الذي كتب الأغنية لو كان اخترعها "أماني" ولم يقل "آمالي"! هل كانت الكرة الأرضية ستنقص متراً واحداً! هل كانت ستحدث فيضانات! هل كانت أوجاع الناس ستنقص! 
أحمد شفيق كامل كتب لاغنية ولحنّها عبوهاب النادر الجميل، سنة 1965.
وأجمل شي تاني فيها عندما تقول الست "

وانتا معايا يصَعب عليّا رمشة عينيا ولا حتى ثانيه،
يصعب عليّا لَيغيب "جمالك" ويغيب دلالك ولو شوية"
لقد أجاد الجميع على الرغم من الخطأ الذي فعلوه حين فعلوا "آمالي" وتناسوا "أماني"، لكنهم ذكروا "جمال" في سياق الأغنية. وهذا ما يعمل على تخفيف الألم قليلاً. الألم نفسه ولا يريد أن يموت. 


الجمعة، 8 أبريل 2016

السينما أجمل من الرُز ..


فجأة تظهر الحياة أكبر من أخبار الدكتوراة الفخرية لجلالة الملك. أكبر من العدوان ومتابعة أخباره. فجأة تعيد اكتشاف حقيقة أن فيلماً واحداً جميلاً يوازي كل أثقال اليوم السابق وما حمله من بلاوي. ورُز . مع إني باحب الرُز لكن السينما أجمل من الرُز :)
وهذا فيلم يُشبه مسحوق غسيل لكن للقلوب المُتعبة التي بقت تنتظر سنة وشهرين علشان توصل الحوالة ولم تصل :( لكن أنا سعيد. على الرغم من كل ذلك. أنا سعيد. يقال أن زمن انتظار الحوالة أجمل من خبر وصول الحوالة. والطريق إلى البيت أجمل من الوصول إليه. وأنا عندي بيت وأرض صغيرة وأنا الآن يسكنني الآمان.  وجماعة الحوثي ستذهب إلى الكويت قريباً للمفاوضات. وسأخبر الزميل ، واحد من الزملاء الحوثيين أن يسألوا لي عن الحوالة في طريقهم أو لو بلغ الأمر أن يضعوا قضية الحوالة ضمن جدول أعمال المفاوضات. أنا مواطن ومن حق قضية الحوالة أن تكون ضمن جدول أعمال المفاوضات :) أن يضعوا حوالة جمال جبران في رأس القضايا التي ستتم عملية التفاوض عليها. أنا عايز أُكمل نُص ديني وهذا أمر يرضي الله ورسوله والمؤمنين وغير المؤمنين. 

الأربعاء، 23 مارس 2016

لقطة إباحية ..




علّمونا في دروس الترجمة بالجامعة أن الترجمة أمانة لكن هذا لا يتعارض في سياقه الأدبي مع بقاء المُترجم على هيئة الخائن الدائم للنّص الذي بين يديه. لكنهم لم يقولوا لنا أن على المُترجم أن يكون أخلاقياً وحسن السيرة والسلوك ،محافظاً على الصلوات الخمس وعلى الحياء العام حريصاً على عدم خدشه. لقد وجدت البارحة واحداً من هؤلاء ويبدو أنه لم يدخل في حسابات أهل الترجمة وعلومها. 

لقد وجدته وأنا في متابعتي البارحة للفيلم السويدي الدانماركي "صيد" للمخرج توماس فيتنبرغ وحصل بطله على سعفة مهرجان كان السينمائي 2012 لأحسن ممثل.

فبعد  دقائق قليلة من بداية الفيلم وجدت ترجمة مكتوبة على الشريط تقول "تحذير:لقطة إباحية لن أترجمها". هكذا كتب المترجم العبارة وتركنا لوحدنا أمام اللقطات الإباحية التالية لعبارته. وطلع الرجل أميناً فعلاً وأخلاقياً.لقد أقسم بأنه "لن أترجمها" وأوفى بقسمه.  

ما أن بدأت اللقطات حتى توقفت الترجمة. لكن في عادة مثل هذه المشاهد أنها تأتي بلا كلام، يكتفي المخرج بالفعل الذي يقوم بتصويره ولايكون محتاجاً لكلام. مجرد آهات والآهات لغة عالمية يفهمها الجميع. كما أن المشاهد "الإباحية" هي اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة، إنها تترجم حالها ولاتعوز وسيطاً بينها وبين مشاهدها.

لكن يبقى السؤال: كيف عرف الأخ المترجم ببداية اللقطات الاباحية تلك وكيف أدرك نهايتها ليعود إلى الترجمة! هل رمى بوجهه إلى الناحية الأخرى منتظراً نهاية المشهد معتمداً على صوت الآهات المرافقة للعملية الإباحية وعاد بعدها ليكمل ترجمته! 

مع ذلك هناك مشاهد إباحية تحصل بلاصوت وعلى وجه الخصوص في أوساط الجماعات المُحافظة التي تخجل نسوانها من رفع أصواتهن فيقال عنهن بأنهن بلاحياء. وعليه: كيف أدرك أخونا المترجم أن العملية انتهت وصارت عودته لشغل الترجمة  لازمة! 

ربما استعان بصديق صعلوك لايقيم للأخلاق وزناً وتركه ليشاهد الإباحية بدلاً منه. ربما أتى بزوجته وقال لها تابعي المشهد إلى أن ينتهي وأخبريني كي أعود لشغلي!

لكن كمان، لو كان أخونا المترجم غارقاً في الأخلاق إلى هذا الحد فلماذا لم يقص المشهد من الأساس وأن يكتب عبارة تقول: لقد حذفنا على المشاهد مشهداً إباحياً حماية للأخلّاق والحياء لكن الحذف لايؤثر في سياق الأحداث!

لماذا يجعل من نفسه إضحوكة ومسخرة أمام المنحلّين أخلاقياً من أمثالنا وهو يكتب تلك العبارة العجيبة التي لاتتناسب أبداً مع طبيعة السينما الجميلة.

مع ذلك فالموقف في مجمله يشير إلى مرحلة جديدة في تاريخ ترجمة الأفلام في العالم العربي، لقد انتهينا من مرحلة المترجم الكاذب الذي يقوم بترجمة "فاك يو" إلى "تباً لك" لنصل مرحلة المترجم المؤمن الحريص على تنبيه جماعة المشاهدين بالمشاهد الإباحية القادمة وهو واثق من شدة إيمانهم. 

وأنت وضميرك يا أخي المشاهد،يعني أنت وإيمانك، يا تشوف ما يُخالف شرع ربّنا أو تحترم نفسك وتنتظر مرور تلك الإباحية لحال سبيلها لتعود لمتابعة ماتبقى منه وأنت مرتاح البال وقد ضمنت إرضاء الخالق وكسبت الجنة.